من نسامح؟
ولماذا يجب علينا أن نسامح؟
نسامح الوالدين والأهل، فهم فعلوا أقصى ما يمكنهم فعله من أجلنا، وإذا كانوا أخطأوا في شئ، فمن المؤكد أن ما فعلوه كان على قدر علمهم بما هو صالح لنا، وكل ما علينا أن نسامحهم ونبذل كل الحب والتقدير والاحترام في طريقهم دائماً.
نسامح أهلنا واخواتنا، فنحن دماء واحدة وقلب واحد في أجساد متعددة، ولكنها تشعر بنا وتفرح لنا وتتألم لما يؤلمنا. نسامح كل الناس، فكلنا بشر لنا أفعالنا الخاطئة، وآراؤنا واعتقادتنا التي تحتمل الصواب والخطأ، ولنا ولهم قرارات مصيبة ومخطئة، فهكذا الحياة نتعلم فيها من الأخطاء ونكتسب الخبرات والحكمة في كل يوم يمر علينا فيها. هناك بعضاً من الناس تخلط ما بين التسامح والكبت للمشاعر السلبية، فالتسامح مع النفس ومع الآخرين، لا يعني إتفاقنا أو إجبارنا على التعاون معهم، ولكن نسامح من أجل أنفسنا، كي تهدأ صراعاتنا الداخلية، ونبدأ رحلة الحرية الشخصية، بدون قيود تعيقنا عن المسيرة في طريق الحياة. ولكن الكبت هو تخزين المشاعر السلبية تجاه الآخر، ويتم التعبير عنها في صور أعراض جسدية ونفسية تؤلمنا، فعندما نحتفظ داخل قلوبنا كالإنفعال والكراهية والغضب، فإنها تسبب لنا نحن الضرر وليس لمن تسبب لنا فيه، وبذلك فنحن نتساوى معه في حمل الكراهية داخلنا، فلا تضييع من عمرك دقيقة واحدة كي تفكر في أشخاص تسبب لك الضيق والغضب. عبّر عن غضبك بالطريقة اللائقة والإيجابية، ولا تسمح لأحد بالإستمرار في إيذاءك أوالاستمرار في سلوكه الخاطئ معك، فطريقتك هى ما تمنح الآخرين طرق التصرف معك.
ما الذي يمنعنا من التسامح؟ عندما تشعر أنك حزين داخلك، وغير متصالح مع نفسك، وغير راضي عن حياتك، وأنك مثقلاً بأعباء الحياة، هنا تكون الأنا قد استحوذت عليك تشدك إلى أسفل، فهى تفصلك عن عالم الحرية ومعرفتك لذاتك وعن كل حياتك، وتظل في عزلة وانفصال عن من حولك.
العقل الغير متسامح هو عقل واقع تحت سيطرة الأنا الداخلية له، والتي تقنعه دائماً بأن عليه حماية نفسه بالغضب من الآخر، وعدم مسامحته ولومه بل وعقابه على ما ارتكبه في حقك، هذا العقل تملؤه الأفكار السلبية كالخوف والكراهية والشك وعدم الشعور بالأمان، ولذلك يظل يعيش في دائرة الألم وداخل أسوار الكبت والغضب.
رسائل الأنا الداخلية لنا دائماً ما تبرر وجودها، بل وتملي علينا رغباتها بالغضب وعدم التسامح وأحياناً الإنتقام، وهذا تجسيد لفكرة اللوم على الآخرين والحياة. فالأنا تزرع المعتقدات وترسخها مثل، العالم كله ظلم ولا وجود للعدل، وأنت على حق والآخرون هم المخطئون في حقك فلا تتراجع عن موقفك في الغضب وعدم المسامحة، لأنك إذا سامحته ستكون إنسان ضعيف وسوف يكرر ما فعله مرات عديدة معك. ولذلك نجد العديد من الناس تتوحد مع تلك الفكرة، وهى فكرة المشاعر والأحاسيس المضطربة وأنه شخص مضطهد من كل الناس، وأن العالم كله ضده، وكثير الشكوى من الظروف والأشخاص، وتكون هى منظوره للحياة الأساسي، ولكن تلك المشاعر تفصله عن الحياة، لأنه يشعر بالعزلة والأسى على نفسه وحاله، ويخسر ذاته وحياته.
الأنا الداخلية جزء من كينونتنا، وكلما نمت قدرتنا على إدراكها، كلما زاد مقدار تحررنا منها، وأصبحت لدينا القدرة على اختيار الحياة الأفضل لنا والأكثر شعوراً بالأمان والسلام الداخلي والهدوء النفسي. الأنا لا تؤمن بالتسامح أو المشاعر الإيجابية، لأنها مليئة بالتناقضات، وترسخ داخلنا محدودية التفكير، وتفرض علينا الدفاع عن أنفسنا بإستمرار بالغضب والكراهية والعقاب للآخرين، فعندما تسيطر الأنا على عقل إنسان، فيصبح لديه مخزون من الخوف وعدم الأمان والمعاناة والشعور بالأسى على حاله، ويرى أخطاء الناس كأنها كبائر لا يمكن العفو عنها أو التسامح فيها، ولا ينظر إلى نفسه، أو يراجع اعتقاداته الخاطئة، وتسيطر أفكاره ومشاعره السلبية على كل حياته، فيبدأ في تعميم المواقف ويحذف كل ما هو جيد ولا يرى سوى السلبي منها، ودائم التوقعات لكل الأمور السيئة، وهو بذلك يجذب لنفسه الشعور الدائم بالذنب والتقليل من تقديره الذاتي، لأنها دائم الشعور أنه ضحية في هذا العالم وأنه متحد ضده لإيذاءه، ولذلك فهو يتصرف بناء على هذا الشعور الداخلي، ويرسي المبادئ التي يمنحها للآخرين كي يعاملونه بها بالفعل، فمن يرى نفسه ضحية ويأسى لحاله دائماً، يتعامل لا شعورياً بالطريقة التي ترسخ هذا الشعور، فنجد مثل هذا الإنسان لديه العديد من المشاكل الجسدية والنفسية كالصداع وآلام الظهر والاكتئاب والقلق والتوتر والانفعال وقلبه مملوء بالحقد والحسد والغيرة والكراهية.
فكيف لنا أن نتخلص من الخوف والألم والشك والكراهية الذين هم غذاء الأنا، ونبدأ في العيش بسلام وهدوء ومشاعر حب وسعادة؟ علينا أن نستمع لرسائل الأنا جيداً، ونبدأ في تصنيف الأفكار التي تورد على عقولنا، ونختار منها ما نريده داخله. ونبدأ في تحمل مسؤولية حياتنا وكل أفعالنا الماضية والحاضرة. ونتحلص من كل الآثار السلبية التي تراكمت داخلنا، كي نسمح لكل ما هو جديد أن يحدث في حياتنا، ونعيش حياة أخرى هادئة ومنسجمة مع طبيعتنا الإنسانية. ولا نسمح بسيطرة الآخرين على أفكارنا ومشاعرنا وردود افعالنا وسلوكنا.
إن مقدار حبك لذاتك هو ما يجعل موقف الأنا محايداً، على قدر ما تحب نفسك، سوف تمنحها البحث داخلك عن مواطن الهدوء وما يشعرك بالراحة والطمأنينة وراحة البال، فالتسامح هدية لأنفسنا قبل منحه للغير، لأنه يريحنا نحن أولاً، فبدلاً من اللوم والشكوى، نبدأ في إحداث تغييرات في أنفسنا، ولا يعنينا الآخرون، فلا يوجد موقف جيد أو سيئ ولكن نظرتنا إليه هى ما تحدد ذلك. لا تمنح أحداً سكناً مجانياً في عقلك، وتعطيه مفتاح السيطرة على مشاعرك وردود أفعالك، فتسلك سلوكاً قد يسبب لك الندم فيما بعد فعندما نحمل حقيبة ماضينا المملوءة بالإساءات والآلام والأذى والضرر فوق ظهورنا، فكيف نسير بها في طريق حياتنا ونحقق أهدافنا؟ فالمشاعر السلبية من أهم الأسباب التي تعيق النجاح .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق